غالب حسن
36
مداخل جديدة للتفسير
انها دعوة حسنة ، ينبغي الموازنة بين الدخل والاستهلاك ، هذا هو مؤدى الآية الكريمة ، ويتضمن ذلك تجنب الاسراف لأنه يؤدي بطبيعة الحال إلى الفقر والعوز والحيرة ، ومثل هذه الدعوة يقرها العقل ، ويمضيها الفكر المنطقي الصحيح ، وتدعو إليها معظم المذاهب الاجتماعية باعتبار ان الاسراف يعرض الاقتصاد للاختلال في التوازن . ولكن دعوة القرآن لم تقف عند حد النصيحة كما يبدو من جو الآية الشريفة ، ومن هنا ينمو الحدث ليدخل مرحلة أرقى في تحديد الصورة والموقف ، إذ تتحول هذه المعادلة الاقتصادية اليومية إلى صفة أو ميزة ، إنها احدى خصائص المجتمع المسلم ، تنتقل من اطار التوجيه إلى مرتبة الالتزام ، بل هي في المرحلة الآتية فلسفة وسلوك ، ولكن من أين نستقي مثل هذه العملية النامية ؟ ! قال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا . ليس من ريب اننا بين يدي حالة جديدة ذات أفق أكثر عمقا وسعة ، فالتوازن مذهب ، وفي ذلك إشارة ضمنية حادة إلى قضية الاسراف ، إشارة تؤكد صيانة المجتمع المسلم من هذه العادة المرفوضة . وتتوالى المسلم من هذه العادة المرفوضة . وتتوالى امكانات الصورة والموقف . قال تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ . هكذا ! ! انه لا يحب المسرفين ! تجاوز الاسراف في سلبيته حدود الطابع الاقتصادي ليرتبط بأفق عقيدي يضرب جذوره في صميم الكون ، فالذي يسرف يحرم حب اللّه جل وعلا ، من النصيحة إلى الالتزام إلى المصير ، مراحل تتعانق لتفجر الحدث بامكانات التصور والأثر ، فضلا عن المحتوى والمضمون . . ولكن ليس هنا خاتمة المطاف ، بل ما زالت مسيرة الحدث أو الموضوع مليئة بدرجات الارتقاء والتخطي . . . كيف ؟ ! وما هو الدليل ؟ !